رئيسة التحرير نسرين فاخر تكتب: أناقة ما لم نقل
#مقالات رأي
نسرين فاخر
1 نوفمبر 2026
في زحمة الأيام، وتداخل المواعيد، والأفكار، قد نكون حاضرين بأجسادنا في مكانٍ ما، بينما تُصرّ عقولنا على أننا في مكان آخر!.. هذا بالضبط ما حدث معي في مدينة دبي، الجميلة والمتألقة دائمًا!.. كنت على موعد مع جاك كافالييه بيلترود، أحد أبرز صنّاع العطور في العالم؛ لإجراء حوار صحافي، تنشره «زهرة الخليج» في هذا العدد!.. كان كل شيء يسير على ما يرام؛ اللقاء، والأسئلة، وجهاز التسجيل الذي يوثّق حديثنا، والضيف الذي يجيب بأريحية، وأناقة!.. باستثناء تفصيل واحد، لم أنتبه إليه: كنت مقتنعة، تمامًا، بأننا في أبوظبي..!
لا أعرف كيف حدث هذا!.. ربما بسبب ازدحام العمل، أو تداخل المواعيد، أو تلك «الحيلة الغريبة»، التي تمارسها عقولنا حين تتشبث بفكرة خاطئة، مهما كانت الحقيقة واضحة أمامها!.. فبثقة صحافية لا ينقصها شيء، واصلت الترحيب بضيفي في أبوظبي، ونسجت بعض أسئلتي على أساس وجودنا فيها!.. أما هو، فكان يمارس فناً آخر، لم يكن ضمن موضوع الحوار!
ففي كل مرة كنت أذكر فيها أبوظبي، كان يمرّر دبي في إجابته بلباقة عجيبة!.. فكان يذكر المدينتين معًا، ويصوغ إجابته بذكاء؛ كأنه يترك لي إشارات لطيفة؛ لأنتبه إلى حقيقة غابت عن ذهني؛ حتى لا يضعني في موقف محرج!.. أما أنا؟!.. فـ«لا حياة لمن تنادي»!.. فقد كنت مستمرة في حواري بكل ثقة واطمئنان، غير منتبهة إلى محاولاته اللبقة؛ لتذكيري بأننا في دبي، بينما كان عقلي – لسبب لا أفهمه حتى الآن – مصرًّا على أننا في أبوظبي!
عندما انتهى الحوار؛ وقفت لأصافحه، وهممت بأن أقول: «أتمنى أن نراك، المرة المقبلة، في أبوظبي!».. فجأةً، جاءت لحظة الإدراك!.. نحن في دبي!.. توقفت لثوانٍ، ونظرت إليه، وفي رأسي شريط سريع لكل المرات التي رحبت به خلالها في «المدينة الخطأ»، ولكل تلك الإجابات التي حاول خلالها، بكل رقي، أن يلفت انتباهي!.. فلم أجد أمامي سوى أن أكمل جملتي، وكأن شيئًا لم يكن: «أتمنى أن نراك، المرة المقبلة، في أبوظبي!».. فابتسم، وأجاب بكل بساطة: «بكل تأكيد.. سيكون من دواعي سروري!».
انتهى اللقاء، لكن الموقف بقي في ذهني!.. فما استوقفني لم يكن الخطأ الطريف، بل أناقة التصرف!.. لقد كان بإمكانه أن يصحح لي المعلومة منذ اللحظة الأولى، وسيكون محقًا تمامًا!.. لكنه اختار أسلوبًا أكثر لباقة، حافظ به على انسيابية الحديث، ومنحني فرصة اكتشاف هفوتي بنفسي!.. وهنا تذكرت كم نصادف في حياتنا أشخاصًا لا يقاومون إغراء تصحيح أصغر الأخطاء، ولو على حساب إحراج الآخرين!.. فيقاطعون حديثك، أو يلتقطون زلة لسانك، كأن امتلاك المعلومة الصحيحة يمنحهم الحق في إعلانها، في أي وقت، وبأي طريقة!
ولا أعني أن كل من يفعلون ذلك، يقومون به بسوء نية، فبعض الناس يمتلكون المعرفة، لكنهم يفتقرون إلى حساسية الموقف!.. فـ«الذكاء» أن تلاحظ!.. أما «الكياسة» فأن تعرف ماذا تفعل بما لاحظته!.. فبينهما خيط رفيع، يجب أن يدركه المتحدث!.. ولا تعني اللباقة تجاهل الحقائق، أو المجاملة على حساب الصدق، ولكن ليست كل هفوة بحاجة إلى إعلان، وليست كل حقيقة تُقال بالطريقة ذاتها!
لقد خلطت بين المدينتين في ذلك اللقاء!.. لكن ما بقي واضحًا، في ذاكرتي، هو رقي ذلك الرجل!.. والمفارقة الأجمل، هنا، أنني ذهبت لأحاوره عن العطور، وعن قدرتها المدهشة على استحضار الذكريات؛ فخرجت بذكرى لم تصنعها رائحة، وإنما صنعتها لباقة متحدث!.. فبعض الناس يتركون أثرًا بما يقولونه، وبعضهم يتركون أثرًا بما يختارون ألّا يقولوه..!
Source link














Add comment